بسم الله الرحمن الرحيم

        م
القائمة الرئيسيه
الســــودان
تواصل
 
 
 

 

     الفصل الأول: جغرافية السودان
 الفصل الثاني: إنسان السودان
 الفصل الثالث: حضارة السودان
 
 

الحضارة لغة المستوى التقني الذي وصل إليه إنسان عصر ما في بيئة ما وإلى أي حد تمكن من تسخير الموارد الطبيعية وغير الطبيعية للحصول على عائد كبير بجهد أقل.

موقع السودان في وسط أفريقيا وامتداده من خط عرض 4 إلى 22 ش بمساحة قدرها 2.5 مليون كلم2 جعله ملتقى للطرق شمالا وجنوبا، شرقا وغربا. كما أن امتداده مكنه من التمتع بعدد من المناخات التي جعلته يحوي بيئات متباينة وثقافات مختلفة وأنشطة بشرية تختلف باختلاف نوع الموارد الموجودة في كل بيئة.
تعتبر التربة أو الأرض هي السجل المدني الذي يحتفظ بمخلفات الحضارات في نظام متناسق ويعمل بقانون الأقدم هي والأسفل والأحدث هو الأعلى.

إضافة إلى ذلك فقد قسم علماء الآثار والأنثربولوجيا الحضارة الإنسانية إلى ثلاثة أقسام اعتمادا على نوع الأداة المستخدمة وكان الناتج أن أول أداة استخدمها الإنسان هي الحجر في فن الصيد وتقطيع اللحم والدفاع والهجوم. ثم تلا ذلك عصر البرونز وهو عبارة عن سبيكة مكونة من نحاس وقصدير تسخن ثم تشكل بالطرق فتكون خنجراً أو سيفاً أو قلنسوة أو أناء. ثم بعد ذلك جاء عصر الحديد والذي نعيش فيه إلى يومنا هذا.
هذا التقسيم طبق على كل حضارات العالم القديمة وليس السودان فقط كما لاحظ المكتشفون أن الحضارات القديمة لا تقوم إلا على الأنهار مثل الحضارة الفرعونية على نهر النيل والمروية كذلك وحضارة الصين على نهر الهواتنج هو وحضارة الأنكا في أمريكا اللاتينية وحضارة الشام على نهر بردي والذي يقسم دمشق عاصمة سوريا.

لقد بدأت الكشوفات الأثرية بصورة منتظمة ودقيقة بعد غزو الأتراك للسودان عام 1820م إلا أن هنالك بعض الكشوفات التي قام بها مهتمون أجانب قبل ذلك بكثير وكان لها أثر كبير في إزالة الستار عن نهضة تليدة سادة بلاد السودان وأمثال هؤلاء جيمس بروس (1730-1794)، وليم جيمس براون (1793)، بوركهات (1784-1817).
أما أهم الكشفيات فقد قام بها أركل والذي شغل منصب أول مدير لمصلحة الآثار السودانية (1938-1948) ثم خلفه شيني والذي واصل حفرياته ورئاسة مصلحة الآثار من (1948-1958) ثم خلف جان فركوتية لفترة قصيرة قبل أن تؤول رئاسة المصلحة للسودانيين وأولهم كان البروفيسور نجم الدين محمد شريف الذي سودن المصلحة.

يمكننا القول بان الدراسات والحفريات والكشفيات الأثرية بدأت بصورة أكاديمية وعملية في بلاد السودان وخاصة الجزء الشمالي منه عندما بدأ العمل في خزان أسوان (1889- 1902) الأمر الذي أدي إلى بحيرة صناعية منسوبها نحو 106 متر فوق سطح البحر وبعد التعليات المتعاقبة للخزان وضح أنه بدأ يغطي مساحات كبيرة داخل مصر وحوالي 140 كلم طولي في السودان وكلتا المنطقتان كانتا مهدا لحضارات عريقة دل عليها المعمار المتقدم والقرابين التي وجدت في مقابر النبلاء والملوك. مع زيادة السكان والتي تستوجب زيادة الرقعة الزراعية في مصر فكرت حكومة جمال عبد الناصر في بناء السد العالي والذي يقع على بعد 6 كلم جنوب خزان أسوان ولقد أثبتت الدراسات المبدئية أن هذا السد سوف يكون بحيرة صناعية طولها 500 كلم منها 350 كلم في مصر و150 كلم في السودان ويصل اتساع البحيرة إلى ما بين 1 كلم إلى 20 كلم كما في خانق الكلابسة، رأي المصريون والسودانيون أنه لا مناص من إقامة هذا السد إلا أنهم كانوا يفكرون في كيفية استخراج الآثار التي سوف تغمرها المياه ولن يجدوا إليها بعد سبيلا. وعلى ضوء ذلك أرسلت وزارة الثقافة المصرية كتابا إلى منظمة اليونسكو في 6/4/1959 برغبة الحكومة المصرية في الحصول على مساعدات علمية وفنية ومادية لإنقاذ آثار بلاد النوبة.

رحب المجلس التنفيذ لليونسكو في دورته الرابعة وخمسين وفعلاً استدعى المجلس كل المختصين في هذا الشأن من جميع أنحاء العالم. اجمع المؤتمرون في باريس على أن هذه الآثار هي ملك للعالم أجمع مثل رسالة سقراط (469-399) وصور أجندته الحائطية وجدران أكسمال بل وسيمفونيات بيتهوفن 1770-1837 وقد استجابت لنداء اليونسكو دولاً عديدة مثل الأرجنتين جامعة لابلاتا والنمسا وجامعة فينا وبلجيكا والمتحف الوطني بكندا ومن تشيكوسلوفاكيا أو فد معهد المصريات بجامعة شارس بعثة كبيرة وكذلك فرنسا وألمانيا وغانا وإيطاليا وهولندا وبولندا وسويسرا ويوغسلافيا كما كان لمساهمة مصلحة الآثار في السودان دوراً بارزاً وإيجابياً. خرجت هذه البعثات بنتائج ونجاحات كبيرة أنقذت كثيرا من التماثيل والمسلات المكتوبة ومحتويات الجبانات. أما على الصعيد السوداني فقد ثبت للكاشفين أن العلاقة بين مصر وبلاد السودان إنما هي علاقة متصلة الحلقات منذ ما قبل التاريخ وتحديداً في الفترة الرطبة التي سادت أخريات العصر الحجري والحديث 400 ق. م.

ولا يظهر الاختلاف بين مخلفات الحضارة السودانية والحضارة المصرية إلا قرب عام 3000 ق. م. ومن هنا بدأ الاختلاف في مناصب كثيرة منها العادات الجنائزية والأواني الفخارية والأدوات الحجرية ثم المعدنية.

وجدت مواقع كثيرة لهذا العصر وهو يمتد من 20.000 ق. م. إلى 5.000 ق. م. وينقسم إلى ثلاثة أقسام : عصر حجر قديم – عصر حجري وسيط – عصر حجري حديث وكان الإنسان آنئذٍ جامعا ولاقطاً ويعتمد على ما تجود به الطبيعة من كانت تتم بالتعاون مع بعثات من جامعات أوربية أو أمريكية حيث أنها باهظة التكاليف وتستمر مواسم عديدة علماً بأن الحفريات لا تتم إلا في الشتاء وهو الفصل الذي يناسب الأجانب المهتمين.
كما يود الكاتب أن يورد أن معظم هذه المواقع تم اكتشافها بالصدفة إما عند بناء منزل أو شق ترعة أو حرث زرع وذلك يعني بالتأكيد أن هنالك الكثير جداً من المواقع التي لم يتم اكتشافها أما لأنها طمرت تحت مدينة أو مشروع زراعي أو لوقوعها في الصحراء بعيداً عن العمران وليس هنالك ما يشير إليها على السطح.

كشفت الحفريات فيما بين عامي 1907-1910 في بلاد النوبة عن حضارات ذات قيمة تاريخية وثقافية عالية ونظراً لأنها أول مجموعات استقرار ببلاد السودان فيما قبل التاريخ فقد قسمها الآثاريون إلى ثلاثة مجموعات ورمزوا لها بالحروف (ABCD-X) وتمثل كل مجموعة عصرا بعينه.

المجموعة الأولى ..
ازدهرت في أخريات الألف الرابعة قبل الميلاد وقد سماها مكتشفها (رايزنر) (GROUP A) أو المجموعة (أ) وهي المجموعة التي تملك أقدم أدوات نحاسية اكتشفت في السودان بالإضافة إلى فخار مصري الأصل وقد عاصرت هذه المجموعة الأسرة المصرية الأولى في مصر 3200 ق. م. وأهم مواقع هذه الحضارة هي (عكاشة) على بعد 128 كلم جنوب وادي حلفا والثاني في فرس على بعد 21كلم شمال وادي حلفا وكانت تسمى باخوارس القديمة والأخيرة في (جمي) على بعد 25 كلم جنوب وادي حلفا. نسب علماء الآثار هذه المجموعة إلى العصر الحجري الحديث.

المجموعة الثانية :
أو المجموعة ب (B) وهي تتفق تماما مع الأسرة المصرية القديمة من حيث الزمن 2280 ق. م. اتسمت هذه المجموعة بالفقر الثقافي والاقتصادي.

المجموعة الثالثة :
ظهرت هذه المجموعة الثالثة وهي (GROUP C) قرب أخريات الدولة المصرية القديمة 2240 ق. م. – 2150 ق. م. وهي تنتمي إلى العصر النحاسي أي نفس الوضع الاقتصادي المعتدل – للمجموعة الأولى وكان حدها الشمالي (الكوبانية بحري) 15 كلم شمال غربي أسوان أم الجنوبي فينتهي في منطقة بطن الحجر 144 كلم جنوب وادي حلفا.

حضارة كرمة
انتشرت حضارة كرمة في منطقة دنقلا العرضي (دنقلا الحديثة) ووصلت شمالا حتى منطقة مرجسة أما جنوبا فقد وصلت إلى جزيرة أرقو 32 كلم شمالي كاوا بدأت فترة جديدة أول مراحل حضارة كرمة بنهاية الدولة المصرية القديمة انتهت بقيام الدولة الحديثة وبداية تمصير النوبة (2280-1575 ق. م.) وكانت سماتها الثقافية المميزة أواني فخارية على درجة رفيعة من الصقل بالإضافة إلى أواني فخارية أخرى على هيئة حيوانات بالإضافة إلى خناجر نحاسية ومصنوعات خشبية مطعمة بالعاج والمايكا في أشكال زخرفية وحلة مخيطة على قلانس جلدية كما وجدنا مصنوعات خشبية مطعمة بالعاج والمايكا وعناقريب خشبية تتميز بمساند للرأس وفي ذلك تختلف عن العناقريب المصرية. أهم ميزة ثقافية مميزة لحضارة كرمة فهي شعائر الدفن حيث تتسم المقبرة برمس ترابي مقبب تحيط به حلقة من الحجارة السوداء منثور عليها حصى أبيض أما من الداخل فنجد الجدران من الطين الآجر وهي دائرية الشكل ارتفاعها 3أمتار وقطرها 90مترا وفي منتصف الجدار بهو يؤدي إلى غرفة الدفن وكان جثمان صاحب الرمس يسجى على سرير خشبي له وسادة تحت الرأس ومروحة من ريش النعام ونعلان ويوضع عدد كبير من الأواني الفخارية تحت السرير كما تم العثور على مقاصير من الطوب عليها نقوش وكانت بمثابة مكان تقيم في طقوس الدفن وكثير ما نجد مع الميت بقايا أشخاص في الغالب أنهم قرابين بشرية.
من الواضح أن حضارة كرمة ذات إدارة مركزية يتزعمها أمير ويبدو أن وضعهم الاقتصادي كان جيدا وكذلك التقني والتعبدي إلا أنهم لا يعرفون الكتابة ولأول مرة تظهر لنا عادة القرابين البشرية مع المتوفى وفي بعض الأحيان يصل عدد الضحايا إلى 300 شخص من الرجال والنساء والأطفال وكلما قل شأن المتوفى قل عدد الضحايا أي أن تنعدم في حالة رعاع القوم أما أصل أصحاب حضارة كرمة فيرجع معظم علماء الآثار إلى أنهم من شمال أفريقيا وعليهم سحنة زنجية.

أتضح من مخلفات هذه الحضارة أن نوع الاقتصاد كان يعتمد على محورين هما : الزراعة والرعي إضافة إلى الصناعة.

والتبادل التجاري بين مصر والسودان والذي تجلى في وجود أشياء مصرية في السودان وسودانية في مصر.

قيام مملكة نبتة :
في أثناء الفوضى الليبية في مصر ظهرت في نبتة أسرة قوية يعتقد البعض أنهم مصريون ويعتقد آخرون أنهم ليبيون هاجروا جنوبا. أما الثابت والرأي الغالب أنهم سودانيون من ذات المنطقة وكانوا يدينون بديانة آمون رب طيبة في مصر.
وكان مركز هذه المملكة هو جبل البركل 2 كلم شمال كرمة ويبعد حوالي 1.5 كلم من النيل وكان يسمى بالجبل المقدس كما جاء في المصرية القديمة (جو – رعب) أي الجبل الطاهر.
ويعتبر اختيار نبتة كعاصمة موفقاً حيث أنها تتصل بالشمال والجنوب عن طريق النيل فضلاً عن الطريق البري عند (أبو آدم) والذي يخترق صحراء بيوضة حتى يصل إلى شندي. ونجد في سفح جبل البركل معبدا ضخماً لآمون وذا أعمدة مستديرة وحجرات متعددة وتحرسه من الأمام خراف من الحجر كما هي العادة أمام المعابد الآمونية وفيها يتجلى فن النحت الذي لا يتناسب إطلاقا مع حياة البداوة التي كانت سائدة وقت ذاك. كانت نبتة عاصمة دينية وبها أهرمات لبعض الملوك على نسق أهرامات البجراوية إلا أنها أصغر حجماً كما وجدت مقابر بمنطقة الكرو على بعد 12 كلم جنوب نبتة حيث وجدت لأول مرة جثث محنطة في توابيت. أما أهم أفراد أسرة نبتة وهو ترهاقا فقد اختار منطقة نوري غرب النيل موقعاً لأهرامه الذي يعتبر من أكبر الأهرامات في وادي النيل.
تقول المسلات أن الملك كاشتا مؤسس مملكة نبتة قد حكم النوبة السفلى حتى منطقة طيبة وكان ذا نفوذ عظيم وبعض المؤرخين ينسبون هذه الفتوحات إلى ابن كاشتا بعنخي.
استمرت مملكة نبتة من عام 750 ق. م. حتى عام 650 ق. م. ثم نقلت العاصمة إلى البجراوية جوار كبوشية الحالية وذلك للأسباب الآتية ..

  1. نسبة لتوسع العاصمة نبتة وزيادة السكان والأنعام فقد وضح أن منطقة البركل صحراوية ولا تفي باحتياجات السكان والحيوان زيادة على ضيق الشريط الزراعي على النيل.

  2. الابتعاد جنوباً خوفاً من انتقام المصريين بعد استعمرتهم الأسرة النبتية مائة عام.

  3. البجراوية مطلة على سهل البطانة وهو سهل واسع وأرضه خصبة وأمطاره نسبياً غزيرة.

  4. وجود خام الحديد في صخور تلك المنطقة بالإضافة إلى وجود أشجار كثيرة تستخدم في إيقاد كماين لصهر الحديد وقد عرفت مروي القديمة بأنها برمنجهام أفريقيا.

مروي البجراوية :
تقع مدينة مروي على بعد 213 كلم شمال الخرطوم وقد انتقلت إليها العاصمة من نبتة عام 591 ق. م. كما أن دولة مروي قد عاصرت حكم الفرس والبطالمة في مصر. ويوجد بالبجراوية نوعان من المعابد ..

1- المعبد الآموني وإلهه آمون
2- المعبد المروي وإلهه أباداماك

كما عرف المرويون اللغة الهيروغليفية واللغة المروية والتي لم يفلح أحد في فك رموزها إلى يومنا هذا.
كذلك نجد بمنطقة مروي حوالي 211 هرماً تابعة للملوك والنبلاء أما العامة فكانت لهم مقابر تخصهم ليس عليها أي علامات مميزة.
هذا بالإضافة إلى حمام ملكي ومعبد أخر يدعى معبد الأسد. تعتبر منطقة مروي من أشهر عواصم العالم فيما قبل التاريخ كما أن نفايات الحديد الموجودة بالمنطقة لهي خير شاهد على حجم التصنيع الذي كان سائداً. انتهت دولة مروي عام 350 ق. م. بعد حملة عيزانا ملك أكسوم (الحبشية).

تعود معرفتنا للعهد المسيحي القديم للحفريات التي سبقت قيام السد العالي. أزاح الكشاف الستار عن كثير من الكنائس والمعابد المسيحية التي تركزت بشكل واضح في المدن وعلى النيل الشيء الذي جعل بعض المؤرخين يعتقدون بأن الدين المسيحي كان دين الحكام والنبلاء والشيء الذي يعزز هذا الرأي هو أننا لم نجد كنائس أو معابد بعيدة عن المدن أو في السهول السودانية حيث يوجد الرعاة والزراع.
يقول الأب جوفاني فانتين أن المسيحية دخلت السودان في أواخر عهد الدولة المروية وأن أول سوداني اعتنق المسيحية هو وزير خزانة الكنداكة ملكة مروى عام 31 م.
ويضيف فانتين أن المستكشفين L.P. Kerman and W.B. Emery وأثناء حفرياتهم بين عامي 1930-1933 وجد في منطقة بلانة السودانية الواقعة على الحدود المصرية بعض المقابر لملوك يرجع تاريخها لعام 500 م وبها بعض التحف النحاسية والفضية وجميعها مختومة بالصليب.
وفي حوالي 390م زار الكاتب روفينست في صعيد مصر ولاحظ فيها وجود بعض الرهبان الإثيوبيين من المناطق جنوب حدود مصر.
وهكذا يخلص الكاتب إلى أنه كان هنالك نفوذ مسيحي عندما بدأت الدولة المروية التدهور في النصف الأول من الألفية الأولى وهذه الفترة توافق انتشار المسيحية في مصر.
الشيء الذي يعضد هذا الرأي هو وجود علاقات تجارية قوية بين مصر والسودان في ذلك الحين. بعد انهيار المملكة المروية في حوالي 350 م وانقسم السودان إلى ثلاثة ممالك ..

1- نوباتيا وعاصمتها فرس
2- المقرة وعاصمتها دنقلا.
3- علوة وعاصمتها سوبا (14 كلم جنوب الخرطوم).

كان ملك نوباتيا – وهو جغرافيا أقرب الملوك إلى مصر – يرسل رسله إلى القسطنطينية ليرسل له ملك القسطنطينية بعض المبشرين المسيحيين وتقول الكتابات أن جستنيان أرسل مبشرين من جانبه إلى نوباتيا كما أن زوجته ثيودرا أسرعت خفية بإرسال مبعوثها إلى نوباتيا والسبب في ذلك هو أن جستنيان كان كاثوليكيا وأن ثيودرا كانت تعتنق الأرثوذكسية، كذلك وصل مبشر مسيحي أخر إلى مملكة علوة حيث استقبله الحاكم في العاصمة سوبا وتمت مهمته التبشيرية بنجاح شديد حتى أننا نجد إلى يومنا هذا مخلفات كنائس ومعابد مسيحية بسوبا وهذا ما تبقى من الدمار الذي أصاب سوبا عندما هاجمها عمارة دنقس وعبد الله جماع 1504م.

تميزت فترة المسيحية في السودان بالاستقرار الأمني وتعلم بعض الأهالي القراءة والكتابة كما انتعشت التجارة مع مصر وأحيانا مع الحبشة وكلاهما مسيحيتان وقتئذ وقد امتد الفترة المسيحية من عام 500 م إلى عام 1504 م أي أمتد قرابة الألف عام.

تعضيدا للمقولة التي سلفت بان الدين المسيحي طوال عشرة قرون سادها بالسودان كان دين حكام والنبلاء والخاصة نجد أن حملة عمارة دنقس وعبد الله جماع العسكرية على العاصمة المسيحية قد قضت على شأفة الدين المسيحي والذي لم يكن يعتنقه أهل السودان من العامة وهم الغالبية مقارنة بمن كانوا يمارسون الشعائر المسيحية. تتضح لنا من ذلك أن أحد عوامل نجاح ثورة الفونج على المملكة المسيحية هي جاهزية سكان بلاد السودان لحكم إسلامي بعد أن رسخ في نفوسهم كعقيدة ومبدأ قبل الثورة بزمن طويل.
بالرغم من خراب سوبا وبقية الممالك. إلا أنن نجد الدين المسيحي يكاد يكون الدين الثاني في السودان من حيث العدد بعد الإسلام كما أن هنالك ديانات أخرى خلاف هاتين. مثل الوثنية وعبدة الكواكب..الخ. بالرغم من الاختلاف في المعتقد إلا أن هذا الاختلاف لم يكن سبباً للاحتراب بين طائفة وأخرى في من الأيام.

السودان في عهد السلطنات 1504-1821م
أهم مميزات هذه الفترة هي الارتباط والتداخل بين ثلاثة من الظواهر المختلفة ..

1- انتشار الإسلام كدين فيما يعرف حالياً بالقطر السوداني.
2- انتشار العناصر العربية السلالية والثقافية ويشمل ذلك انتشار اللغة العربية وتعريب القيم والعادات.
3- ظهور وانتشار المؤسسات السياسية والاجتماعية والإسلامية في شكل سلطنات ومشيخات.

كما أن هنالك ملاحظة أخرى وهي أن المناطق التي تكون السودان الحالي كانت متصلة ومتداخلة في تكوينها الثقافي والاجتماعي بالرغم من تفككها الإداري الذي حال دون قيام دولة موحدة حتى عام 1821م بعد غزوة الأتراك للسودان.
عندما فتح المسلمون مصر ودانت لهم بدأت الاشتباكات بينهم وبين النوبة في شمال السودان وفي عام 642 م قام المسلمون بحملة كبيرة على بلاد النوبة بقيادة عبد الله بن أبي السرح وإلى الخليفة عثمان بن عفان وانتهت الحملة بعقد اتفاقية بين الطرفين عرفت باتفاقية البقط.
لقد حكمت هذه الاتفاقية علاقة النوبة بالعرب المسلمين حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. ومع ذلك كانت الاتفاقية تتعرض للتعديل من وقت لأخر كما حدث في عهد المهدي العباس أو المعتصم عندما زاره ملك النوبة وأتفق معه على دفع بقط سنة عن كل ثلاث سنوات. سمحت هذه الاتفاقية بالحركة للسكان بين البلدين (تجارة وسياحة ومنافع أخرى) وبدأت بعض الأعراب في حيازة الأراضي في بلاد النوبة والاستقرار فيها إذ كانت الأحوال السياسية والمعيشية مستقرة نسبيا في السودان أكثر منها في مصر وبدأت المصاهرة والمعاملات بين الشعبين في اتساع وأخذ الإسلام واللغة العربية في الاندياح رويداً رويدا.
قامت دولة المماليك في مصر في الفترة من 1251 حتى نهاية القرن الرابع عشر وكانت هذه الدولة أكثر الدول الإسلامية حرصاً على بلاد النوبة وبعد مناوشات عديدة تمكن سلطان المماليك من تجريد حملة على المقرة عام 1276م وهرب ملكها داوؤد ثاني ونصب المماليك أبن أخت الملك شكندة في مكان داوؤد بعد أبرم المماليك اتفاقية قاسية تقضي بدفع جزية عن كل شخص من النوبة لم يعتنق الإسلام.

حكم سلطنة سنار حوالي خمسة وعشرين سلطانا في فترة لا تزيد عن ثلاثة قرون ويمكن تقسيم السلطنة إلى أربعة مراحل ..

المرحلة الأولى ..
تبدأ بعمارة دنقس المؤسس وتستمر طيلة القرن السادس عشر حتى عام 1602م وهي فترة تأسيس واستقرار من ناحية النظم والقواعد والعلاقات الداخلية والخارجية والحدود الجغرافية.

المرحلة الثانية ..
تبدأ بالسلطان عبد القادر بن أونسة وقد تميزت هذه الفترة بالاحتكاك الحدودي مع الحبشة وانفصال الشايقية وشهدت كذلك حسم تمرد العبدلاب ومقتل زعيمهم الشيخ عجيب الكافوتة. كما شهدت غزو السلطان لأراضي مملكة تقلي ولمناطق الشلك والدينا وجلب أعداد كبيرة منهم وتوطينهم حول مدينة سنار الشيء الذي أثر في التركيبة العرقية للسكان والجيش. على الصعيد الثقافي ازداد تدفق العلماء والمتصوفة وتأسيس المراكز العلمية الإسلامية والمتصوفة.

المرحلة الثالثة ..
تبدأ في عام 1692 حتى عام 1716 وقد تميزت هذه الفترة بدخول البعثات الدبلوماسية والتبشيرية أراضي سنار في طريقها إلى الحبشة، وكانت تلك فترة تصعيد في التنافر بين سنار والحبشة وانتهت بغزو الأحباش الذين وقفوا على مشارف العاصمة سنار إلا أن جيش سنار قد أرداهم مهزومين. كما تميزت هذه الفترة أيضاً بشدة الصراع بين سلطنة سنار وسلطنة الفور على إقليم كردفان.

المرحلة الرابعة ..
وهنا سيطر الهمج الوزراء على الدولة وانتهت هيبة السلطان مما أثر على تماسك الدولة التي دخلت في حالة من الفوضى. الشاملة ولم تتمكن حتى من مجرد التفكير في رد الغازي التركي.

تركيبة الجيش ..

بدأ الجيش في مملكة سنار قبلياً وكان الفونج رعاة بقر لذا كانوا شديدي البأس وكان الجيش من ثلاث فرق ..

1- خيالة وهم راكبو الخيول وهم مقدمة الجيش.
2- أبالة وهم راكبو الإبل.
3- مشاة.

أما الأسلحة فكانت عبارة عن سيوف وخناجر ورماح. عرف جيش الفونج الرتب العسكرية مثل عقيد الخيل ومقدم الخيل وأمين الجيش أي قائد ميداني.

النظام السناري ..

لقد قام النظام السناري واستمر على أربعة أركان أو محاور ..

1- السلطان وجيشه وحاشيته.
2- المشيخة في الأقاليم أو بمفهوم اليوم الإدارة الأهلية.
3- الطرق الصوفية حيث كان لزعماء الطرق كلمة نافذة وسطوة لا يمكن إغفالها.
4- التجارة لقد انفتحت سنار على العالم الخارجي عن طريق ميناء سواكن على البحر الأحمر وطريق دنقلا – أسيوط والطريق الغربي المعروف بدرب الأربعين وهو يمتد من شندي على النيل إلى كردفان ودارفور ثم عبرهما غرب أفريقيا ثم طريقاً أخر يتبع النيل الأزرق نحو الجنوب الشرقي حتى بلاد الحبشة.

كان اقتصاد سنار يقوم على نظام المقايضة وأن معظم الأجور كانت تدفع إما ذرة أو دمر محلي (بفتة) إلا أن بعض المؤرخين الذين زاروا سنار في أواخر عهدها تحدثوا عن وجود بعض العملات الأجنبية التي جلبها التجار من خارج السودان مثل الدولار الأسباني وعملة البندقية Seqvin.

من الثابت أن الفتح التركي المصري كان حدثا هاماً للغاية ويكتسب أهميته من أهمية التغيرات التي طرأت على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في السودان إثر دخول هؤلاء الأجانب.
كان محمد على يطمع في بناء جيش جرار قوي كدأب حكام العالم في مطلع القرن التاسع عشر لذلك اتجه نظره نحو جنوب مصر إلى بلاد السودان الذين عرفوا بشدة البأس والبسالة عند اللقاء وهنالك سبب أخر هو أن تركيبة جيش محمد علي من الألبان والأتراك وهم بطبعهم فوضويون وأهل شقاق ومناكفة لذا حبذ أن يحصل على جنود سودانيين يشدون من أزره.
رأي محمد على السودانيين يباعون كرقيق في سوق النخاسة بمصر فرأى فيهم قوة البدن والصبر والاحتمال وهو الشيء الذي يفتقده جيشه.
بالإضافة لذلك فقد كان محمد علي يهدف إلى ترحيل الزنوج السودانيين غير المستوعبين في الجيش إلى حقول الزراعة في مصر للفلاحة والحرث والحصاد. أم الهدف الثالث لمحمد على لغزو السودان فهو القضاء على بقايا المماليك الذين هربوا جنوباً. رابعاً كان اكتشاف منابع النيل شريان حياة مصر ضرورة ملحة للقائمين على أمر مصر.
تحرك الجيش الغازي في يوليو 1820 ويتكون من 3000 مركباً و3000 جملا متخذا طريق النيل والبر الغربي.
وعند دخول الجيش بدأت ممالك شمال السودان تتساقط أمام الغزاة وأول اصطدام له كان في منطقة كورتي مع قبيلة الشايقية. أما المعركة الثانية فقد كانت خفيفة ولا تذكر في بلد بربر وهكذا بدأت السلطنات تسقط واحدة تلو الأخرى على أن دانت كل بلاد السودان لمحمد علي باشا.
بعد ذلك بدأ إسماعيل باشا في إرساء نظم الحكم والإدارة وفرض الضرائب وفي ذلك استعان بأهل البلد لدرايتهم ببيئتهم.
بدأ محمد على باشا يحكم السودان مركزيا حتى عام 1845 وبعدها تم تقسيم السودان إلى مديريات وهي دنقلا، بربر، الخرطوم، التاكا، سنار، فازغلي، كردفان وتكون هذه المديريات تحت مسئولية مصر مباشرة إلا أن هذا النظام اللامركزية أثبت فشلا وتشتتا كبيرا فاضطر محمد على إلى إرجاع المركزية عام 1846-1850 تحت إمرة خالد باشا وأهم إنجازات خالد باشا هو أنه وضع يديه على مينائي سواكن ومصوع.
كما لا يفوتنا أن نذكر أن حجم التجارة قد تضخم وزادت استثمارات محمد علي في السودان بصورة جعلت الدول الأوربية تحسده على ذلك. حتى دخول محمد على لم يكن السودانيون يعرفون من القوانين سوى الشريعة الإسلامية التي حكمت بها دولة سنار لكن الخديوي أدخل القانون الغربي والذي يعرف القانون العرفي وحصر الشرع فقط في الأحوال الشخصية.
أما على صعيد الاستثمار الزراعي فقد بدأ الأتراك عام 1825م بزراعة الأفيون والنيلة للصباغة والقطن والشعير وعلموا الأهالي دباغة الجلود ونجحت كل هذه التجارب وفشلت زراعة الأفيون لحكمة يعلمها الله. أما القطن فكان من أكبر المكاسب لحكومة الخديوي وقد اتسعت زراعته إبان حكم أحمد ممتاز باشا محافظ سواكن والذي بدأ بزراعة القطن في طوكر بدلتا خور بركة. أما في مجال التعليم فقد شجع الخديوي شيوخ الخلاوي براتب من الذرة لغذاء التلاميذ وإعانات شهرية وذهب أكثر من ذلك حيث أمر بإرسال النابهين إلى الأزهر الشريف بمصر. أما أول مدرسة فقد أسست عام 1835م بالخرطوم في عهد عباس باشا لتعليم أبناء الموظفين المصريين والراغبين من السودانيين وبعد ذلك صدق الخديوي لكل مديرية بمدرسة.

المواصلات ..
نسبة لاتساع بلاد السودان ووعورة مسالكه عبر الصحاري الجافة فقد كانت وسائل الموصلات هي الجمال والحمير والمراكب وأضاف الأتراك نوعا من المراكب الشراعية لم يكن معروفاً في السودان تسمى المركب (القياسية) أو ناقلة البضائع و الذهبية ناقلة الركاب , بدأ الخديوي في مد خطوط سكة حديدية حيث بدأ بالفعل بمد خط اتجه جنوباً من حلفا مسافة 75 ميلاً إلا أنه توقف نتيجة اضطرابات مالية.

الصحة ..
كانت هناك بعض الوبائيات الفتاكة بالسودان مثل الكوليرا والملاريا والجدري فقرر الخديوي فتح مستشفيا بعواصم المديريات وأكبر هذه المستشفيات هي مستشفى الخرطوم التي كانت تسع 270 سريراً أما بقية مستشفيات المديرات فقد كانت دون ذلك بكثير كما أنها تفتقر إلى الكوادر الطبية في مجالات عديدة.
استجلب الخديوي مصريين لتعليم السودانيين النابهين مهنة التمريض وقد برع السودانيون في ذلك كثيرا لدرجة أن بعض المرضى يفضلون الممرض السودان عن الطبيب المصري. كان الوضع الصحي وقتئذ يعتبر سيئاً مقارنة بما مضى من عهود وذلك نسبة لحالة الفقر التي ضربت المواطنين جراء الضرائب والإتاوات الباهظة هذا خلاف المعاملة السيئة من قبل المسئولين الأجانب لذا بدأت بعض الأمراض في الظهور إلى السطح بصور ملحوظة مثل الكوليرا والجدري والتراكوما وخلافه.

أسباب نشوب الثورة المهدية ..

  1. العنف والجبروت وسوء المعاملة من قبل الأجانب للسودانيين وانتهاك حرماتهم على أكثر من صعيد.

  2. الضرائب وسوء طريقة التحصيل فقد كان المواطن يشتم ويسب أمام أسرته أن هو تواني عن دفع الضريبة بصرف النظر عن قدرته أو عدمها.

  3. محاباة الحكومة للشايقية والميرغنية كان ذلك واضحاً حيث أعطت الحكومة تسهيلات كبيرة للشايقية والميرغنية حين أعطتهم أراضي العبدلاب والجعليين بعد ثورتهم على الحكم وأعفتهم من الضرائب.

  4. ظلم الحكام للرعية يقول كل الذين زاروا السودان أن الأتراك والشراكسة والمصريين كان يذلون السودانيين ذلاً مريراً نهاراً جهاراً ويرجحون أن هذا كان من أقوى أسباب قيام ثورة المهدية.

  5.  احتكار تجارة العاج حيث لا ننسى أن العاج أو سن الفيل كان مصدر دخل للكثير من أهل البلد وقد أصدر غوردون باشا عام 1874م قرار باحتكار العاج لحساب الحكومة الأمر الذي شرد كثير من التجار وجوع الأسر كما منع الشماليون من الذهاب جنوباً (أي جنوب السودان).

  6. العامل الديني فكرة المهدي المنتظر هذه يؤمن بها الإسلاميون على اختلاف مذاهبهم بما في ذلك السنيين والشيعة وخاصة وأنه (أي المهدي) في نظر السنيين يظهر عندما يشتد الكرب وتعم البلايا فيملأ الأرض عدلاً ويرفع الظلم عن الناس كل هذه العوامل هيأت السودانيين لاستقبال فكرة المهدي والذي وحدهم تحت لواء (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وبذلك ألغى الحواجز القبلية والثقافية والتي تميز بها أهل السودان. وقد كان ذلك أهم عامل في نجاح الثورة المهدية أما العامل الثاني فهو احتلال الإنجليز لمصر عام 1882م والقضاء على ثورة أحمد عرابي وبذلك جردوا مصر من قوتها الحربية وسطوتها الثقافية كما أكره الإنجليز المصريين على إخلاء بلاد السودان بحجة عجزهم عن إخماد ثورة المهدي.

بدأت رقاع الإيمان بالمهدي تتسع شرقاً وغربا وملأت سيرته معظم أفريقيا شمال وجنوب الصحراء وقد جلبت لهذه الدعوة المقبولة حسد المصريين والأتراك الذين بقوا بالسودان زائداً خوف الإنجليز من أن يتحد السودان مع إثيوبيا التي هزمت إيطاليا في معركة عدوة الشهيرة عام 1869م.
أول معركة مع الأجانب للمهدي كانت بالجزيرة أبا 1881 وحقق فيها نصرا ليس له نظير والثانية كانت بجبال قدير بغرب السودان حيث لجأ المهدي وأتباعه لمهاجمة محمد سعيد باشا مدير كردفان هناك إلا أن جنود المهدي أرعبوه فأثر الانسحاب الفوري وهكذا بدأ المهدي ينتصر من معركة إلى أخرى الشيء الذي أكسبه كثيراً من الغنائم والدعم المعنوي والخضوع له فتحول من الدفاع إلى الهجوم وأول ذلك كان حصار الأبيض 1882 ثم الاستيلاء عليها.
أما أكبر نصر حققه المهدي فكان على هكس باشا عام 1883م في شيكان والتي تقع في شمال كردفان الحالية.
بعد ذلك بدأت المخاوف تدب في صدور الإنجليز من هذا الإسلامي الثائر فقررت ارسال حملة بقيادة غوردون باشا 1883م – 1885م.، ما أن أستقر غوردون في الخرطوم وبدأ في تصريف الأمور حتى بدأ الثوار يتدفقون صوب الخرطوم فحاصروها وحاصروا كذلك مدينة أم درمان وكانت أعدادهم تفوق 60.000 محارباً وصدورهم مليئة بالعزائم والإيمان فكتب المهدي إلى غوردون يرجوه التخلي بالحسنى عن الحكم أكثر من مرة ولم يكترث غوردون لذلك حتى قرر المهدي الهجوم على الخرطوم وأحتلها تماما وقتل غوردون بقصر الرئاسة على يد أحد الثوار وكان ذلك في 26/1/1885م.
لم يمتد الأجل بالمهدي طويلاً حيث توفي عقب سقوط الخرطوم وخلفه الخليفة عبد الله التعايشي 1885-1898 وكان أخر خليفة للمهدي إذ لم يخلفه أحد نتيجة الغزو الإنجليزي المصري للسودان 1898م.
كانت البلاد تئن تحت وطأة الجوع والفقر حيث الناس قد هجروا الزراعة والرعي وساروا في ركب الثورة فوجد الخليفة أمامه معضلة في إدارة بلد منتصر جائع فبدأ بإحضار أهله التعايشة لأم درمان العاصمة ليحموه من كيد أبناء النيل وأهل المهدي وبدأ الشقاق يدب في رئاسة الدولة كما أن الضرائب وسوء الحال قد جلب للمهدية الكثير من السخط وبدأت نشوة الانتصارات تذوب تحت وطأة الجوع والفاقة والقهر.
كل هذه العوامل جعلت السودان فريسة سهلة للإنجليز والمصريين الذين أعدوا جيشاً مدربا ومدججاً بأحدث الآلات الحربية بقيادة كتشنر وزحفوا نحو العاصمة رويداً رويدا حتى وصلوها في عام 1898م وكانت معركة كرري التي وقعت في يوم 2/9/1898م وقد استشهد فيها ما يربوا على الـ 15.000 فارساً وبذا دخل السودان في نفق الاستعمار المظلم والذي امتد 58 عاما بعد ذلك.

شكلت اتفاقية الحكم الثنائي المرتكز السياسي والدستوري لإدارة السودان لأكثر من نصف قرن، وقد ساعد على انفاذها ظروف محلية. وإقليمية وعالمية برهنت على السودان لا يمكن أن يقف بمنأى عن التوسع الاستعماري والأحداث في العالم العربي خاصة وأنه يتوسط أفريقيا ويزخر بالعديد من الثروات الطبيعية التي كانت مطمع الكثير من الغازين.
نجد أن مصر كانت هي البوابة الشمالية للسودان والدلالة على ذلك أن الفراعنة والفرس واليونان والرومان والعرب والأتراك والبريطانيين الذين احتلوا مصر وجدوا أنه لا مناص من مد نفوذهم جنوباً داخل الأراضي السودانية. لم يكن ذلك تأمينا لحدود نفوذهم الجنوبية لمصر بقدر ما هو طمعاً في ثروات السودان
قررت الحكومة البريطانية في مارس 1896م ودون استشارة الحكومة المصرية غزو السودان وقد تكونت هذه الحملة من جنود مصريين وبريطانيين. أما السبب وراء هذا القرار الفجائي هو هزيمة الأحباش لايطاليا في معركة عدوة الشهيرة والخوف من أن يقوم حلف بين السودان وإثيوبيا ضد النفوذ الأوربي في القارة الأفريقية، أما السبب الثاني فهو بداية ظهور الخطر الفرنسي في أعالي النيل الذي هدد المصالح البريطانية في وادي النيل بالإضافة إلى ذلك فقد أملت مصلحة بريطانيا في السودان لمصر ضرورة تأمين وادي النيل وقناة السويس كما كانت النظرة البريطانية لسهول الجزيرة الخصبة كمنطقة إنتاج للقطن وإغراق مصانعها بهذا المحصول الذي تفتقر إليه بريطانيا أحد مرامي الاستراتيجية البريطانية.
قام اللورد كرومر مهند الغزوة البريطانية المصرية على السودان بايجاد نوع من الحكم يمكن بريطانيا من أن تكون الحاكم الفعلي للسودان ويقنع المصريين بأنهم شركاء في حكم السودان ومن ثم قبولهم الصرف على إدارته كما فعلوا في الصرف على الحملة.
بعد غزوة السودان بدأ الإنجليز في تنفيذ سياستهم في السودان فوضعوا حدودا جغرافية جديدة للسودان وأبقوا على أسماء المديريات وبعض الملامح الإدارية إلا أنهم قلصوا عدد الإداريين بالسودان إلى تسعة أشخاص بدلاً من ثلاثة عشرين حكمداراً إبان الحكم التركي.
أما الجهاز التشريعي فقد تكون من الحاكم العام ويليه المفتش العام والسكرتير الإداري والمالي ثم رؤساء المصالح الحكومية عامة بالإضافة المصلحة المخابرات.
نظرا لقلة السودانيين المتعلمين فقد استعانت حكومة الحكم الثنائي بضباط مصريين في وظيفة مآمير وضباط بوليس وكذلك تم تعيين مصريين كمدرسين وقضاة بالمحاكم الشرعية إلا أن الإنجليز كانوا يتحكمون في هذه الأعداد خوفاً من انتشار الدعاية المصرية المعادية لبريطانيا في السودان.
من أهم التطورات الإدارية في نهاية العقد الأول للحكم الثنائي قيام مجلس الحاكم العام 1910م وهي هيئة استشارية مصرية كما رفض ونجت باشا اقتراح الحكومة البريطانية بأن يكون هناك عضو سوداني في المجلس بحجة أنه ليس هنالك سوداني مناسب لهذا المنصب.
أعطت الحكومة الغازية زعماء القبائل وشيوخها صلاحيات واسعة وأخرى قضائية خاصة زعماء قبائل الرحل بحكم طبيعة نشاطهم الاقتصادي وقد كان ذلك في 1922م. كما أن أحداث ثورة 1919م في مصر دفعت الحكومة البريطانية إلى طرد كثير من التنفيذيين المصريين بالسودان.
أما في مجال التعليم فقد كانت سياسة الحكومة البريطانية حيث جعلت استراتيجيتها هي إعطاء فرص قليلة جداً للسودانيين في التعليم شريطة أن يكون تعليماً مهنياً لكي يربط بين الدراسة والوظيفة وبذلك يمكن تفادي انتشار الوعي والانتفاضات الوطنية بعد أحداث ثورة 1924م وإمعاناً في تهميش دور التعليم فقد ضمت المعارف إلى مصلحة الخدمات الصحية والبيطرية ليرأسها شخص واحد لا خبرة له في مجال التعليم وكان ذلك في عام 1927م.
نتيجة هذا الامتهان قام مؤتمر الخريجين السودانيين في عام 1939م بكتابة مذكرة احتجاج على النظام الثنائي يبن فيها مثالب السياسة التعليمية والإجحاف الواضح في حق أبناء السودان في التعليم وأمنت المذكرة على أن يكون التعليم عربياً إسلامياً على ذات النسق الذي كان سائداً في الدول العربية وليس تعليماً وثنياً أفريقياً كما شددت المذكرة على التعليم في جنوب السودان الذي لم ينل شيئاً من الوعي والاهتمام.
جنوب السودان في ظل الحكم الثنائي :
كان واضحاً أن حكومة الحكم الثنائي قد أغفلت الجنوب في كل المناحي الخدمية والصحية والتعليمية وكانوا ينظرون إليه كمعبر للنيل وهنا فقط تكمن أهمية الجنوب كجزء من السودان المحتل كما منعت الحكومة إنشاء أي مدارس حكومية خشية من انتشار الإسلام واللغة العربية وسط عبد الأوثان في الجنوب بالرغم من تدخل المنظمات التبشيرية في الجنوب إلا أن عدد التلاميذ في الجنوب كله لم يتعد الخمسمائة تلميذاً حتى عام 1920م. كما كثفت البعثات التبشيرية من التبشير بالدين المسيحي في منطقة جبال النوبة خوفا من تأثير العرب الذين يجاورنهم. فقامت عدة ثورات في الجنوب ضد الغزاة الجدد وكانت نظرة قبائل الجنوبيين للدخلاء بأنهم جاءوا من أجل القتل والسرقة وجمع الضرائب وكانت أخطر هذه الثورات هي ثورة النوير 1927م والتي استخدمت في الحكومة عمليات حربية جوية وبرية. اتبعت الحكمة سياسة جديدة نحو جنوب السودان أعلنت عنها عام 1930م في مذكرة ماكمايكل السكرتير الإداري آنذاك وأهم بنود هذه المذكرة ..

  1. بناء سلسلة من الوحدات القبلية والعرقية على أساس التقاليد والطقوس المحلية.

  2. إبعاد الكتبة والإداريين الشماليين بالتدرج واستبدالهم بعناصر جنوبية.

  3.  أن يتعلم البريطانيون اللهجات المحلية لأهل الجنوب وأن تستخدم اللغة الإنجليزية في حالة تعذر فهم اللغات المحلية.

  4. صدور قانون الجوازات والسفر لعام 1922م ليمنح الحاكم لعام ليعلن أي منطقة من السودان منطقة مقفولة.

بينما فصلت مذكرة ماكمايكل الجنوب عن الشمال إداريا وثقافيا ودينياً إلا أنها أغفلت أي خطط أو استراتيجيات لتنمية الجنوب خاصة وأن المذكرة قد أعلنت في وقت كان العالم يئن تحت وطأة الفقر.

كان هدف بريطانيا العمل على كسب السودانيين لا على استعدائهم وأهتم الحكام البريطانيون لحد ما بالإسلام وانتشاره اهتماما يشوبه الحذر لمعرفتهم بقوة الإسلام في توحيد الصفوف. كما فرق البريطانيون بين نوعين من الإسلام كما زعموا إسلاميا صوفيا وسموه الإسلام الشعبي وإسلاما سنيا وسموه الإسلام التقليدي وحاربوا الإسلام الصوفي لأنهم يعتبرونه خطراً على بقائهم وتعاونوا مع العلمانيين والسنيين ليكونوا له عوناً في وضع دعائم الاستقرار.
قام السودانيون بعدة انتفاضات ضد الحكم الثنائي راح ضحيتها الألوف من الوطنيين في مختلف أنحاء السودان وكانت أخطر حركات مقاومة إقليمية في سلطنة دارفور التي أقام فيها السلطان على دينار مملكة مستقلة. وكان إبقاء البريطانيين على وضع دارفور هو الخوف من التبعات المادية إلا أن ظهور الخطر الفرنسي على حدود دارفور واستجابة على دينار للدعاية التركية الألمانية المناوئة ورسائل على دينار الساخنة إلى الحكومة بالخرطوم، دفعت الحكومة إلى القيام بعمل عسكري ضده وقد تم القضاء على علي دينار عام 1916م وبذلك خضعت دارفور لحكومة الخرطوم.
بدأت المفاوضات الوطنية تأخذ أشكالاً عديدة ومختلفة وقد ظهرت في شكل روابط ثقافية ومنتديات فكرية وأشعار بل أغاني تحث الوطنيين على طرد الغزاة. وقد عزز هذه الظواهر بروز مؤتمر الخريجين عام 1938م والذي كان بمثابة قيادة وطنية غير متوجة وغير ذات صلاحيات إلا أنها ذات أثر بليغ في إذكاء الروح الوطنية والتوعية بمخازي الغزاة وتبصير أهل السودان بأنهم أرقاء ومنهوبي الثروات. بالإضافة لذلك تم في هذه الفترة تقارب ثقافي وطني بين المثقفين في مصر والسودان وكانت تتم الاتصالات بينهم في شكل رسائل ومقابلات سرية قد خفي الكثير منها عن الإنجليز.
ومن أهم أعمال المؤتمر مذكرته الشهيرة للحكومة عام 1942م بحق تقرير المصير للسودان عقب الحرب. ونتيجة لخوف الإدارة البريطانية من المؤتمر فقد عملت على اختراقه وزرع الفرقة بين أعضائه وفعلاً تقسموا وظهرت الأحزاب السياسية السودانية تحت رعاية الطوائف الدينية.
في هذه الفترة أيضاً قام الحزب الشيوعي في السودان شجعه في ذلك صنوة في مصر وبروز الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى كما انتشرت نقابات العمال والمزارعين وموظفي الحكومة.
وهكذا اتقدت نيران التذمر في السودان وبدأ الخناق يضيق على حكومة الإنجليز والمصريين بالمظاهرات والاضرابات والمناشير الثورية والمؤتمرات التي لم تهدأ أبداً. وقد قابل الإنجليز ذلك بشيء من التراخي كسودنة بعض الوظائف وإعطاء السودان استقلاله من داخل البرلمان في 19/12/1955م.
 

الفصل الأول  :::::  الفصل الثاني

 

 
 
 

 

Power & Design by SUDANeye ®